2016/10/01

مشاركة الاطفال في المسيرات والمظاهرات

إن موضوع عدم مشاركة الأطفال في المظاهرات والمسيرات له مرجعيات معرفية قائمة القانون الوطني وعلى الاتفاقيات الدولية وعلى دراسات لعلماء النفس وخبراء في حقوق الطفل، وعدم مشاركة الاطفال هذه لا تتعارض مع حق الطفل بالتعبير والمساهمة بالحياة العامة الواردة بالمادة 13 و15 من إتفاقية حقوق الطفل، وقانون التصديق الاردني على الاتفاقية رقم 50 لسنة 2006. تكون المرجعية الأساسية لمشاركة الطفل قائمة على الحفاظ على المصلحة الفضلى له، وعلى حقه بالحياة والصحة الجسدية والنفسية وعلى حقه بالوقاية والحماية من العنف.
الاتفاقيات الدولية: إتفاقية حقوق الطفل المادة ١٣ (1) يكون للطفل الحق في حرية التعبير، ويشمل هذا الحق حرية طلب جميع أنواع المعلومات والأفكار وتلقيها وإذاعتها، دون أي اعتبار للحدود، سواء بالقول أو الكتابة أو الطباعة، أو الفن، أو بأية وسيلة أخرى يختارها الطفل. (3) يجوز إخضاع ممارسة هذا الحق لبعض القيود، بشرط أن ينص القانون عليها وأن تكون لازمة لتأمين ما يلي: (أ) احترام حقوق الغير أو سمعتهم، أو، (ب) حماية الأمن الوطني أو النظام العام، أو الصحة العامة أو الآداب العامة.
المادة ١٥ (١) تعترف الدول الأطراف بحقوق الطفل في حرية تكوين الجمعيات وفى حرية الاجتماع السلمي. (2) لا يجوز تقييد ممارسة هذه الحقوق بأية قيود غير القيود المفروضة طبقا للقانون والتي تقتضيها الضرورة في مجتمع ديمقراطي لصيانة الأمن الوطني أو السلامة العامة أو النظام العام، أو لحماية الصحة العامة أو الآداب العامة أو لحماية حقوق الغير وحرياتهم.
قانون التصديق على اتفاقية حقوق الطفل رقم 50 لسنة 2006 المادة (2) "...وعلى ان يعتبر الاعلان المرفق بوثائق التصديق جزءاً لا يتجزأ من هذا القانون" المادة (3) تعتبر صحيحة ونافذة بالنسبة لجميع الغايات المتوخاة منها وجزئا لا يتجزأ من هذا القانون.
حق الأطفال بحرية التعبير التي ضمنتها إتفاقية حقوق الطفل (المواد 13 و15) يجب أن تكون في بيئة تتصف بالسلامة العامة، وآمنة خالية من أي ظروف خطر قد تلحق ضررا بالأطفال، ومحتواها يتناسب مع مرحلة نمو الأطفال وتطورهم، بما في ذلك إحترام حقوق الأخرين وحب الوطن وإحترام المواطنة والمساوة.
هناك المخاطر الجسدية المباشرة المتمثلة في الاكتظاظ البشري إن كان بتعرض الأطفال للإصابات أو العدوى او الحروق، وهناك مخاطر الظروف الجوية غير الملائمة إن كان في الجو الحار أو الجو البارد، وهناك مخاطر حقيقية وخطيرة قد يتعرض لها الأطفال بسبب حدوث مواجهات عنف محتملة مع الأمن أو مع مسيرات معارضة، وهناك مخاطر العواقب النفسية القريبة والبعيدة المدى بسبب الشحن العاطفي واستخدام التعابير السياسية الحادة والتي قد تتصف أو قد يستقبلها الطفل واليافع على أنها تعابير كراهية للآخرين وللدولة وللوطن.
وجود الأطفال في هذه الظروف فيه مخاطرة كبيرة على حياتهم وصحتهم الجسدية والنفسية، وليس له علاقة بالمطلق بالموضوع السياسي أو بتفاوت الآراء حول الموضوع المتعلق بالمظاهرة او المسيرة، وهو أيضا غير متعلق بمنع حرية التعبير للأطفال. إن مشاركتهم تضعهم في ظروف تشحن عواطفهم سلبيا تتصف بالعنف وكراهية الآخرين، وتشكل عوامل تهدد أمنهم وسلامتهم.
"إن مشاركة الأطفال في مثل هذه الانشطة تنعكس بصورة سلبية على سلوكهم مستقبلا وعلى إتجاهاتهم، وتشكل أنتهاكا لحقهم بالتعبير الحر عن آرائهم، ويشكل الزج بهم في هذه المظاهرات خطرا يشحن عواطفهم بالحقد والكراهية للأخرين، كما أن وجودهم في بيئة إكتظاظ بشري بها مخاطر للسلامة العامة وأمن المواطنيين هو أيضا إنتهاك لحقهم بالصحة والحياة  والأمن، وهذا يمتد لإنتهاك حقهم بالصحة النفسية حيث أثبتت المراجعة العلمية المعرفية أن مشاركة الأطفال في مثل هكذا مسيرات أو مظاهرات لها عواقب نفسية سلبية بيعدة المدى على صحتهم النفسية، لأن مشاهدة العنف المرافقة للمسيرات والهتاف المشحون بالجمل السلبية نحو الأخرين ترسخ في نفوس الأطفال سلوكيات سلبية وعدوانية والتي قد تمتد لتظهر في حياة الطفل عقب عدة سنوات.
لذلك يتوجب على الدولة منع أطفالنا، كل اطفال الوطن، من المشاركة في المظاهرات والمسيرات وبنفس الوقت العمل ببرامج على دعم حقهم بحرية التعبير التي ضمنتها إتفاقية حقوق الطفل بما يتناسب مع مرحلة نموهم وتطورهم، بما في ذلك إحترام حقوق الأخرين وحب الوطن وإحترام المواطنة والمساوة، وبذلك نصل إلى ممارسة حق الطفل بالتعبير بحرية وآمان بعيد عن الإنفعالات السلبية وبالحفاظ على حياتهم وصحتهم الجسدية والنفسية.كما أن هناك مسؤولية على نقابة المعلمين ووزارة التربية والتعليم نشر ثقافة التعبير عن الرأي وتحقيق المطالب المشروعة والعادلة من خلال الحوار والقنوات القانونية.

 الدكتور هاني جهشان مستشار اول الطب الشرعي
الخبير في مجال حماية الطفل
www.jahshan.club

2016/09/16

الزواج المبكر والزواج بالإكراه

تعريف الزواج في اللغة هو الاقتران أو الارتباط لقول العرب "زوج الشيء، زوجه إليه، وقرنه به". الزواج هو ارتباط الشيء بالأخر أي اقترانهما سويا بعد أن كانا منفصلين، اقتران الرجل بالمرأة للحياة مجتمعين والاستئناس والاستمتاع والتكاثر.
أسباب منطقية حقيقية، غير عبثية، تدعو الرجل للزواج من المرأة، والمرأة من اختيار الرجل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تنكح المرأة لأربع لمالها وجمالها وحسبها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك" و"إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ألا تفعلوا تكن فتنة وفساد كبير". الشرع الإسلامي لم يجز تزويج المرأة إلا بموافقتها، فقد قال رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ إذْنُهَا قَالَ: أَنْ تَسْكُتَ.. "
شروط الزواج: (1) صحة العقد أن الفتاة غير محرمة على الرجل تحريما مؤبدا أو مؤقتا. (2) أن يكون بحضرة شاهدين حرين عاقلين بالغين عادلين يقول رسول الله "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل وما كان من نكاح غير هذا فهو باطل" (3) يشترط لنفاذ العقد أن يكون الذي تولى عقد الزواج كامل الأهلية. (يرى أبو حنيفة أن المر أه لها كامل الولاية في شان زواجها مادامت بالغة عاقلة). (4) شروط اللزوم الا يكون الولي فاقد الأهلية، وألا يقل المهر عن مهر المثل إذا زوجت الفتاة نفسها، وألا تزوج البالغة العاقلة نفسها من غير كفء.
قانون الأحوال الشخصية الاردني: رقم (36) لسنة (2010) ورد بالمادة رقم (5) منه أن "الزواج عقد بين رجل وامرأة تحل له شرعا لتكوين أسرة وإيجاد نسل". وفي المادة (6) "ينعقد الزواج بإيجاب من أحد الخاطبين أو وكيله وقبول من الآخر أو وكيله في مجلس العقد". والمادة (7) "يكون كل من الإيجاب والقبول بالألفـاظ الصريحة (كالإنكاح والتزويج) وللعاجز عنهما بكتابته أو بإشارته المعلومة".
تأسيسا على ما سبق فإن موافقة الطرفين ضرورية لإتمام شروط العقد السليم قانونيا، فإن لم توافق الفتاة على المضي قُدما بإجراءات الزواج فإنه يعتبر زواجا غير قانونيا وغير شرعيا وفاسدا. فإذا بينت الفتاة للقاضي او للمأذون قبل حصول العقد عدم موافقتها على الزواج فإنه لن يمضي بإجراءات الزواج ولن يكون هناك ارتباط، إما إذا وافقت الفتاة أن تتزوج على مضد، أو أنها مضت في الإجراءات فأن الزواج لا يعتبر غير قانوني لأن القاضي لن يعرف عن رفضها الزواج إلا أذا عبرت على ذلك صراحة كما نصت المادة 7 من قانون الاحوال الشخصية سالفة الذكر، وهذا يتطلب توعية للمرأة بشكل عام لتعرف حقها في هذا المجال وتجنب استغلال جهلها بالقانون لتزويجها بالإكراه.

على الرغم من أنه هناك تشريعات في الاردن تحظر زواج من عمره أقل من 18 سنة، إلا أنه كثيرا ما يتم تجاهل تلك القوانين فحالات زواج الاطفال أما أنها لا تسجل وإما أن يتم اخضاعها للقواعد العرفية أو الدينية او باستثناء يوافق عليه القاضي الشرعي، فقد نصت المادة (10) من قانون الأحوال الشخصية الاردني على أن "أ- يشترط في أهلية الزواج أن يكون الخاطب والمخطوبة عاقلين وأن يتم كل منهما ثمانية عشرة سنة شمسية من عمره. ب- على الرغم مما ورد في الفقرة (أ) من هذه المادة يجوز للقاضي وبموافقة قاضي القضاة أن يأذن في حالات خاصة بزواج من أكمل الخامسة عشرة سنة شمسية من عمره وفقاً لتعليمات يصدرها لهذه الغاية إذا كان في زواجه ضرورة تقتضيها المصلحة ويكتسب من تزوج وفق ذلك أهلية كاملة في كل ما له علاقة بالزواج والفرقة وآثارهما. وصدرت هذه التعليمات عام 2011 بعنوان:  "تعليمات منح الإذن بالزواج لمن هم دون سن الثامنة عشرة"
بناء على ما سبق، فإن أي زواج لفتاة عمرها أقل من 15 سنة هو غير شرعي بكل الاحوال وأي زواج ما بين 15 و18 سنة هو استثناء ويجب أن يتم بموافقة القاضي الشرعي حسب التعليمات الخاصة بذلك، أما الزواج بالإكراه فيشمل بالإضافة لم سبق، أي زواج وإن كان عمر الفتاة أكبر من 18 سنة لم تأخذ منها الموافقة الشرعية كما ورد بنصوص القانون، او أرغمت بصمت على قبول الزواج.

الاتفاقيات الدولية:
تنص الاتفاقية الدولية المتعلقة بالقضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة على الحرية بقرار اختيار الزوج وعلى أن زواج الأطفال ليس له تبعات قانونية فقد ورد في البند الثاني من المادة 16 من إتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة على أن "1- تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في كافة الأمور المتعلقة بالزواج والعلاقات العائلية، وبوجه خاص تضمن، على أساس المساواة بين الرجل والمرأة: (ب) نفس الحق في حرية اختيار الزوج، وفى عدم عقد الزواج إلا برضاها الحر الكامل. 2- لا يكون لخطوبة الطفل أو زواجه أي أثر قانوني، وتتخذ جميع الإجراءات الضرورية، بما في ذلك التشريعي منها، لتحديد سن أدنى للزواج ولجعل تسجيل الزواج في سجل رسمي أمرا إلزاميا.
طالبت المادة 24 من اتفاقية حقوق الطفل الدول باتخاذ الإجراءات التي من شأنا وضع حد للممارسات التقليدية الضارة بما في ذلك على سبيل المثال الزواج القسري والزواج المبكر، كما ونصت المادة   37 بأن لا يتعرض أي طفل للتعذيب أو لضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة كما ودعت المادتان 34 و35 إلى توفير الحماية للأطفال من الاستغلال الجنسي والانتهاك الجنسي ومن البيع والإتجار.
 وعليه يجب اتخاذ كافة الإجراءات الضرورية بما في ذلك تطوير التشريعات الوطنية لتنص بشكل واضح على الحد الأدنى لسن الزواج دون استثناء. وقد أوصت لجنة القضاء على التميز ضد المرأة في توصية عامة لها صدرت في عام 1994 بشأن المساواة والعلاقات الأسري، على أن يكون الحد الأدنى لسن زواج الفتيان والفتيات على السواء 18 عاماَ. وقد أكدت لجنة حقوق الطفل على هذا الاقتراح وكثيرا ما توصي اللجنة الدول بوجوب رفع السن القانوني ومساواته لدى الإناث والذكور.

جذور الظاهرة:
في المجتمعات العربية يُجرى الزواج المبكر والزواج بالإكراه بترتيب من الوالدين أو كبار أفراد الأسرة، وفي العادة تكون الفتيات عرائس مهيأة للزواج بأي وقت عند وصلهن مرحلة البلوغ أو بعدها مباشرة.
مسوغات الزواج المبكر والزواج بالإكراه من الناحية الاجتماعية تنحصر بين الادعاء بحماية شرف الأسرة، وطهارة الفتاة الجنسية، وبين الأمور الاقتصادية حيث تعتبر تلك الفتيات أنهن عبء وعالة على الاسر الفقيرة، ويتوقع الاهل ان يشكل ارتفاع مهورهن دخلا إضافيا للأسرة وحماية لمستقبل الطفلة.
دوافع الزواج المبكر والزواج بالإكراه:
أولا: الدوافع المتعلقة بالعادات والتقاليد والثقافة السائدة في المجتمع.
(1)  الثقافة السائدة من أن دور الأهل بالنسبة للفتاة هو رعايتها لسن معين ومن ثم تزويجها.
(2)  الثقافة السائدة من الوعد المقطوع في الصغر أو عند الولادة لتزويجها لشخص قريب معين.
(3)  تخفيف العب الاجتماعي عن الاسرة والخلاص من وصمة العنوسة.
(4)  تزويج المطلقة لتجنب الوصمة الاجتماعية المرتبطة في كون المرأة مطلقة.
(5)  زواج الشغار، وهو المعروف بزواج البدل، حيث نجبر الفتاة على الزواج على سبيل المبادلة.
(6)  تزويج الفتاة ممن اغتصبها أو استغلها جنسيا حسب ما تسمح به المادة 308 من قانون العقوبات الأردني.
(7)  تزويج الفتاة التي تجاوزت الثامنة عشرة بعد ارتكابها جريمة الزنى بمن زنت معه.
(8)  نادرا جدا قد يكون الزواج بالإكراه لحل خلافات بعض العائلات أو العشائر.
ثانيا: الدوافع الاقتصادية
(1)  تخفيف العب الاقتصادي على الاسرة.
(2)  تأمين مستقبل الفتاة بزوجها من غني ميسور الحال.
(3)  الطمع في المال او الجاه والنفوذ عن طريق الزوج.
(4)  الطمع في المهر، وبالعادة مهر القاصرة أعلى.

عواقب الزواج المبكر:
يعتبر الزواج المبكر انتهاكا للمبادئ الأساسية للصحة الإنجابية وهي توفر علاقة جنسية متكافئة ما بين الزوجين، والقدرة الجسدية على الحمل الطبيعي والولادة الطبيعية، وكذلك القدرة على اتخاذ القرار بتحمل مسئولية رعاية الطفل من الناحية النفسية والاجتماعية، وباعتماد تعريف منظمة الصحة العالمية بإن "الصحة هي اكتمال المعافاة الجسدية والنفسية والاجتماعية وليس مجرد انتفاء المرض"، فإن زواج طفلة أو يافعة لم تتجاوز 22 عاما لا يتصف بأي حال من الأحوال بالمعافاة الجسدية والنفسية والاجتماعية ولا يحقق مبادئ الصحة الإنجابية الأساسية، باعتبار أن هذا الزواج لا يتوقع أن تكون العلاقة الجنسية به متكافئة، ولا يشكل جسم الطفلة أو اليافعة بيئة طبيعية لحمل طبيعي ولا يكون ملائما لولادة طبيعة، ويمتد ذلك إلى غياب الاستعداد النفسي والاجتماعي في هذا العمر المبكر للتعامل مع الأطفال كأبناء تقدم لهم احتياجاتهم الأساسية.
الزواج المبكر يشكل أيضا انتهاكا صارخا لقيم إنسانية لها علاقة بالطبيعية البشرية وهي القرار الناضج بمفهوم ممارسة الجنس والقرار الواعي بالإنجاب، والذين من المستحيل توفرهما لدى طفلة أو يافعة.
إن الفتيات اللواتي يتزوجن بعمر مبكر لا يكن قادرات على استخدام وسائل تنظيم الأسرة إن كان ذلك بسبب عدم المعرفة بوسائل التنظيم أو بسبب إرغامهن على حمل قسري وبالعادة تكون ولادة أول طفل لهن في العام الأول لزواجهن، كما وأن إحتمال تعرضهن للعدوى بالأمراض الجنسية المعدية بما فيها الإيدز يكون أضعاف إحتمال تعرض الأكبر سنا لهذه الأمراض بسبب غياب المعرفة في هذا العمر المبكر وعدم السماح لهن باستخدام الوسائل الوقائية، ومما يفاقم هذه الأمور سوء هو أن الزواج المبكر مرتبط بظروف إجتماعية تتصف بالجهل وغياب التعليم والفقر والانعزال الاجتماعي.
إن العواقب الطبية المباشرة للحمل المبكر وبالتالي الولادة المتعلقة به، تتمثل في زيادة إحتمال موت الأم بسبب عوامل الخطورة المتعلقة بصغر عمر الحامل، وزيادة إحتمال حدوث الولادة المبكرة قبل استكمال الأشهر الرحمية التسعة، وزيادة نسبة المضاعفات أثناء الولادة، وقلة وزن الوليد، وزيادة إحتمال حدوث الإجهاض والموت داخل الرحم أو عقب ولادة الجنين مباشرة. هذا المخاطر الطبية المباشرة تمتد إلى فترة ما بعد الحمل والولادة إلى مضاعفة احتمالية وفاة الطفل الرضيع في السنة الأولى من عمره، بما يعرف بوفاة المهد، وكذلك تمتد إلى صحة الأم المستقبلية بزيادة إحتمال تعرضها للأمراض المزمنة الشائعة كارتفاع الضغط والسكري، وزيادة عدد أحمالها وما يتبع ذلك من عواقب ومضاعفات قد تهدد حياتها.
العواقب الاجتماعية المتعلقة بالزواج المبكر تتكون من القضاء على فرصهن بالتعليم وبالتالي ضعف الاستقلالية وغياب فرص الاعتماد عن النفس، ويشكل الزواج المبكر شكلا من أشكال العزلة الاجتماعية وما يرافقها من عواقب نفسية على الفتاة، وأيضا هناك زيادة إحتمال حدوث الطلاق الفوري او المتأخر أضعاف حدوثه في الزواج المتكافئ، وهو أيضا مرتبط بتعريض الفتاة لمخاطر التشرد وما يرتبط بذلك من إحتمال تعرضها للاستغلال الجنسي والدعارة، وأيضا زيادة إحتمال قيامها بإجهاض نفسها بطرق غير قانونية وبالتخلص من وليدها بهجره كلقيط أو حتى قتله.
العواقب النفسية تتكون من اضطرابات في الوظائف الجنسية وعدم الانسجام الجنسي، والكآبة والقلق والتوتر، ومشاكل الطلاق العاطفي، وزيادة إحتمال تولد اضطرابات الغيرة والشك بين الزوجين، وأيضا اضطراب العلاقات الاجتماعية الطبيعية بين المرأة وأهلها والمجتمع وبين المرأة وأبنائها، كما وانه هناك عواقب التأقلم مع الطلاق في حال حدوثه لدى عودتها لأسرتها أو للمجتمع وما قد يرافق ذلك من بطالة وفقر.
إن إكراه المرأة على الزواج المبكر هو سلوك يتعدى كونه غير شرعي وغير قانوني وغير أخلاقي إلى أنه شكل من أشكال العنف ضد المرأة وشكل من أشكال العنف ضد الطفل بمرجعية أن مرحلة الطفولة هي أقل من 18 سنة، تتعرض خلاله الفتاة لمعانة نفسية شديدة من قبل والدها أو وليها الشرعي، وإن وافقت الفتاة على مضد على هذا الزواج وأُجيز قانونيا فإن حياتها مع زوج لا تكن له المودة والرحمة، سيعرضها بالإضافة للعنف النفسي إلى أشكال أخرى من الإيذاء والعنف الجسدي، وإلى ممارسات تصنف بالإساءة الجنسية من قبل زوجها. هناك أيضا زيادة في إحتمال لتعرضهن للعنف الأسري القاتل (جرائم الشرف) بسبب صغر عمرهن وعدم درايتهن بأمور الحياة، وللإيذاء الجسدي من قبل أقاربها إذا رفضت الزواج
أن الأفعال والممارسات الجنسية التي يقوم بها الزوج مع زوجته الطفلة (أقل من18سنة) تشكل عنفا جنسيا في المفهوم الطبي والنفسي وإن لم يعاقب عليها بنصوص قوانين العقوبات، كما وأن هناك زيادة واضحة في إحتمال تعرض الزوجة القاصر لأنشطة جنسية شاذة من قبل زوجها من مثل ممارسة الجنس على خلاف الطبيعة معها أو كالاستمتاع الجنسي السادي. 

هناك دور أساسي للطب الشرعي في إثبات العنف الجسدي الواقع على الزوجة من قبل زوجها إلا أن الأفعال والممارسات الجنسية التي يقوم بها الزوج مع زوجته بدون رضاها، وبغض النظر عن الدافع لعدم رضاها أهو إكراهها على الزواج منه أو لمرض أو لأي سبب أخر، فأنها وعلى الرغم من كونها عنفا جنسيا من المفهوم الطبي والنفسي إلا أن قانون العقوبات الأردني كمعظم قوانين العقوبات في دول العالم لم يجرم هذا الفعل، ولا يعتبرها جريمة تستحق العقاب، وبتالي فأن هذه الحالات لا تعرض على الأطباء الشرعيين، فتعبير الاغتصاب الزواجي غير وارد بالقانون الأردني. أما في الحالات التي يقوم بها الزوج بممارسة الجنس على خلاف الطبيعة (الشرجي) مع زوجته فيمكن أجراء الكشف الطبي لمخالفة هذا الفعل للطبيعي وفي حال أثباته من قبل الأطباء فإن للمحكمة الشرعية ان تحكم بانفصال الزوجين أما من الناحية الجنائية فهذا الفعل أيضا لا يعتبر جريمة تستحق العقاب الجنائي. أما في الحالات التي يرافق فيها العنف الجنسي ضد الزوجة عنف جسدي كالاستمتاع الجنسي السادي فإن الزوج يعاقب على فعل الإيذاء الجسدي بحد ذاته ولا تعامل القضية كعنف جنسي.

الوقاية والاستجابة: 
مواجهة ظاهرة الزواج المبكر والزواج بالإكراه يتطلب العمل من خلال عدة قطاعات وفي عدة مستويات، بناء على دراسة عوامل الخطورة المتعلقة بها إن كان في مجال الوقاية قبل حصول الزواج أو عقب حصوله والتعامل مع العواقب المختلفة لمن تزوجن مبكرا، وتشمل (1) تمكين المراهقات والفتيات اجتماعيا واقتصاديا (2) تغيير الثقافة السائدة وتوجهات الاسر والمجتمع المحلي حول الزواج المبكر، (3) تقديم الخدمات للضحايا والتعامل مع الحالات عقب حصول هذا الزواج. (4) العمل في مجال التشريعات والأنظمة لضمان حقوق المراهقات والفتيات. (5) تنفيذ القانون بشكل جدي.
يتوقع أن يكون هناك برامج اجتماعية موجهة للمراهقات والفتيات تعمل وقائيا على بناء الثقة بالنفس وتحسين مهارات التواصل والمعرفة والصحة وعلى القدرة بالمطالبة بحقوقهن وخاصة بحقهن الشرعي القانوني بقبول أو رفض الزواج، من خلال شبكات وجمعيات في المجتمع المحلي وبالتالي يصبحن قادرات على تحديد مسار حياتهن في المستقبل، وترك أثر إيجابي في اسرهن وفي مجتمعهن المحلي.
تغير الاتجاهات والثقافة السائدة للأسر والمجتمعات حول الزواج المبكر، يتطلب جهود كبيرة لان هذه الاتجاهات والثقافة موروثة عبر الأجيال ومرتبطة بالدين في بعض الأحيان وهناك تحدي كبير في تغيرها، الا ان تنفيذ برامج التوعية والتثقيف حول عواقب الزواج المبكر والزواج بالإكراه سيؤدي حتما للتغير في حال كون هذه البرامج معدة بشكل علمي تنفذ وتقاس بمعايير وتتصف بالاستدامة. تستهدف هذه البرامج الإباء واليافعين في عمر الزواج والامهات وقادة المجتمع المحلي في المواقع المختلفة.
تنفيذ برامج تضمن تقديم الخدمات في المجتمع المحلي موجهة للمراهقات والفتيات في مجالات النوعية الجيدة الآمنة للتعليم والصحة والحماية الاجتماعية الاقتصادية وحماية الطفل من العنف والاستغلال، وتنفيذ برامج وقائية للمراهقات والفتيات المتعرضات للزواج المبكر أكثر من غيرهن، كالموجودات في مخيمات اللاجئين أو في الاحياء الفقيرة، وبرامج متخصصة لمن تزوجن مبكرا ويعانين من عواقب هذا الزواج الاجتماعية والصحية والإنجابية والنفسية.
برامج موجهة في المجال التشريعي تضمن ان نصوص القانون والأنظمة والتعليمات النافذة تحدد الحد الأدنى لعمر الزواج بحيث لا يقل عن 18 سنة وتمنع زواج الأطفال بشكل قطعي وبدون استثناء قد يستغل سلبا للسماح بالزواج المبكر.
في المجال التنفيذي والاداري يجب العمل على تطبيق التشريعات بشكل جاد على الجميع ودون التراخي بالسماح بحصول أي زواج دون تسجيله رسميا، وضمان تسجيل كافة الولادات في السجلات الرسمية للتأكد من عمر الاطفال وخاصة في مجتمعات اللجوء او الأحياء المهمشة والفقيرة وعدم اعتماد تقارير تقدير العمر العشوائية بدون اعتمادها من قبل لجان طبية مختصة في مجال تقدير العمر.
الدكتور هاني جهشان، مستشار أول الطب الشرعي
الخبير في مواجهة العنف لدى مؤسسات الامم المتحدة 

2016/09/05

حماية الأطفال في الطريق من وإلى المدرسة

في أي عمر من الممكن الاعتماد على الطفل ان يلتحق ويغادر المدرسة منفردا دون راعي له يضمن سلامة وصوله للمنزل؟
تشير المراجع المعرفية إلى أن أي طفل عمره أقل من إحدى عشرة سنة أو أثني عشرة سنة يتوجب أن يكون هناك راعي له خلال مغادرته المنزل إلى المدرسة أو بالعكس أو السماح بالخروج له منفردا للمجتمع المحلي، وحتى بعد هذا العمر يتوجب أن يرافقه شخص يرعاه اعتمادا على نضوجه الاجتماعي والنفسي، ويتوجب ذلك أيضا إن كان يعاني من إعاقات جسدية أو بصرية أو سمعية أو من اضطرابات سلوكية أو اضطرابات اللغة والكلام، ويعتمد ذلك أيضا على بعد المسافة ما بين المدرسة والمنزل وعلى شيوع عوامل الخطورة في المجتمع المحلي للتعرض للعنف أو الاستغلال أو غياب معايير السلامة العامة بالطرق.

ما هي المخاطر التي يتعرض لها الأطفال في المجتمع المحلي خلال ذهابهم وإيابهم من المدرسة؟
قد يتوه الطفل في الطرق والأزقة ويضل الطريق إلى منزله.
قد يتعرض لحوادث المرور ولمخاطر الإصابات بسبب ضعف مواصفات السلامة في الطرق والمرافق العامة.
قد يتعرض الطفل لمخاطر من رفقاء السوء كالتعود على التدخين أو الكحول أو المواد الطيارة.
قد يتعرض للعنف الجسدي والتنمر من أطفال آخرين في الطرقات.
وقد يتعرض لمخاطر العنف الجنسي من المراهقين والبالغين إن كانوا من المجتمع المحلي أو غرباء.
على الرغم من عدم شيوعها في مجتمعنا قد يتعرض الطفل لمخاطر الخطف المباشر وبالتالي الاتجار بالبشر وبالأعضاء البشرية أو الانضمام لعصابات تهريب المخدرات، أو الانخراط في العصابات المسلحة والتكفيرية.
هذه المخاطر ليست محصورة فقط بفترة ذهاب الطفل لوحدة للمدرسة وعودته منها، بل هي موجودة أيضا في الأماكن الأخرى التي قد يتواجد بها الطفل وحيدا إن كان برضى والديها أو رغما عنهما أو بغفلة منهما، مثل مجمعات التسوق او المتنزهات العامة أو صالات الألعاب والسينما.

على من تقع المسؤولية؟
حسب المراجع المعرفية المسندة، الأطفال أقل من عمر احدى عشر أو اثني عشر عاما والأطفال المحتاجين لرعاية خاصة، تنتقل مسؤولية رعايتهم من الوالدين او المسؤولين عنهم إلى إدارة المدرسة والمعلمين لحظة إيصالهم للمدرسة او للمركبة العائدة للمدرسة، وكذا عند مغادرتهم المدرسة أو مركبة المدرسة تنتقل مسؤولية رعايتهم من المدرسة إلى الاهل.
يتحمل الاهل المسؤولية المباشرة عن إيصال الطفل للمدرسة أو للمركبة العائدة لها واخفاقهم بذلك يعتبر إهمالا قد يعرض الطفل للخطر، وبالمقابل لا يتوقع أن يغادر الطفل المدرسة او المركبة دون ضمان انتقال هذه الرعاية لأهله، واخفاق إدارة المدرسة بذلك يشكل شكلا من أشكال الاهمال ايضا، وبالتالي انتهاكا لحقوقه، ويشارك في هذا الشكل من الإهمال أهل الطفل في حال اخفاقهم أو تأخرهم غير المبرر لاستلام الطفل وضمان إيصاله للمنزل.
انتقال رعاية الطفل الآمنة من أهل الطفل إلى المدرسة وبالعكس من المدرسة إلى أهل الطفل، يجب أن يمتد ليشمل رعايته في واسطة النقل او المركبة التي قد تستخدم لهذ الغاية، ويتم ضمان ذلك بوجود مشرفة متخصصة بالمركبة تكون مسؤولة عن رعاية الطفل خلال وجوده بالمركبة ولدى انتقاله للمدرسة أو للمنزل.
للأسف لم تتضمن قوانين وأنظمة وتعليمات وزارة التربية والتعليم الاردنية أي نصوص واضحة تتعلق بحماية الأطفال أثناء قدومهم او خروجهم من المدرسة او تضمن استمرارية رعايتهم عند وصولهم للمدرسة او مغادرتها، وإن إغفال الحكومة لمثل هكذا نصوص يشكل انتهاكا لحقهم بالحماية والامن والسلامة.
هناك مسؤولية مباشرة لإدارة المدرسة عن رعاية الطفل خلال فترة وجوده بها، وقد نصت المادة 289من قانون العقوبات الأردني على أن " كل من ترك قاصراً لم يكمل الخامسة عشرة من عمره دون سبب مشروع او معقول ويؤدي الى تعريض حياته للخطر، او على وجه يحتمل ان يسبب ضررا مستديماً لصحته يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنة. وتكون العقوبة الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات إذا كان القاصر لم يكمل الثانية عشرة من عمره. الا أن الضبابية في قانون التربية والتعليم حول من هو المسؤول عن الطفل لحظة خروجه من المدرسة يجعل من تطبيق هذه المادة أمرا محيرا بين إنفاذها على والدي الطفل أو إنفاذها على إدارة المدرسة، وهذه الضبابية لا تنعكس سلبا الا على الطفل نفسه وتعرض حياته للخطر دون رادع حقيقي يوفر له الحماية.

ما هي وسائل تهيئة الطفل ليعتمد على نفسه خارج المنزل عند وصوله للمرحلة العمرية المناسبة؟
 يجب تزويد الاطفال بالمعارف الأساسية للتعامل مع الغرباء ولمخاطر عبور الطريق والمركبات ولوسائل مواجهة اللذين قد يعرضوهم للتنمر وأيضا التعرف على مخاطر التدخين والمخدرات والمواد الطيارة.
تتحمل كل من إدارة المدرسة والمعلمين والوالدين مسؤولية التوعية هذه، والاخفاق في تنفيذها يشكل أحد مظاهر انتهاك حقوق الطفل، وتتحمل الدولة مسؤولية التخطيط والتنفيذ لمثل هذه البرامج التوعوية للأطفال، على المستوى الوطني، لتمكينهم من حماية أنفسهم لدى بلوغهم العمر المناسب ليخرجوا للمجتمع لوحدهم.

هل من الممكن الوقاية وبالتالي حماية الأطفال واليافعين من إصابات حوادث الطرق؟
يجب توفير برامج توعية تحث الوالدين على لعب دور إيجابي في سلوك الأطفال واليافعين عند استعمال المركبة أو الطريق، فهم القادرين على التأثير الإيجابي بالأطفال وباليافعين.
على الحكومة أن تتبنى وتطبيق استراتيجيات للوقاية من إصابات حوادث الطرق، وتحديث وتطبيق القوانين الرادعة، وضمان أن تكون المركبات في مواصفات آمنة، وتحسين البنية التحتية للطرق، ويتوقع أن تقوم الدولة بتدخلات تشكل عوامل وقائية في مواجهة عوامل الخطورة التي تؤدي لإصابات حوادث الطرق.
 يجب أن تتصف البنية التحتية للطرق بكونها صديقة للأطفال تفصل بين المشاة والمركبات، وتوفر وسائل قطع طرق آمنة مقابل مدارس الأطفال وأماكن تنزههم كبناء الأنفاق والجسور، ويجب أن تكون ملاعب الأطفال في المدراس والأماكن العامة آمنة وغير نافذه للطرق العامة، كما ويجب أن يكون هناك حد أدنى من مواصفات صديقة للأطفال عند ترخيص المركبات كالإلزام باستعمال مقعد تقييد الأطفال وحماية لمغالق أبواب ونوافذ المركبة.
الدكتور هاني جهشان مستشار اول الطب الشرعيالخبير في مواجهة العنف لدى مؤسسات الأمم المتحدة

2016/09/03

الفساد في القطاع الصحي انتهاك لحق الإنسان بالصحة والحياة

إن الصحة هي حق انساني عالمي وان الفساد يحرم كثير من المواطنين من النفاذ الميسر والسهل للرعاية الصحية، وعليه جاءت هذه الورقة لتستعرض اشكال هذه الفساد بطريقة منهجيه بهدف حماية هذا الحق، فقد عرف التقرير العالمي للفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية "الفساد" بأنه سوء استخدام السلطة والموقع العام بهدف تحقيق مكاسب خاصة، وأشار هذا التقرير إلى نهب الملايين من مخصصات الرعاية الصحية بفعل مظاهر الفساد المتفشية من السرقة والرشوة والابتزاز، وإلى أن العقاقير الطبية المزورة تحصد الآلاف من الأرواح في كل عام وُتسارع في انتشار الأمراض المقاومة للعقاقير، وإلى حرمان الملايين من البشر من العناية الطبية الأساسية وبالتالي تكون المعاناة الإنسانية هي المحصلة الحقيقية والثمن الباهظ نتيجة الفساد في القطاع الصحي، فالمال الذي يضيع بسبب الفساد يمكن استخدامه لشراء الادوية، وتجهيز المستشفيات ودعم الكادر الطبي الذي تحتاجه المنشآت الطبية.
إن مواجهة الفساد في مجال الرعاية الصحية هو قضية عمومية جوهرية وهي هامة بحيث يمكن اعتبارها مسألة حياة أو موت خصوصا بالنسبة الى الملايين من البشر وخاصة الفقراء منهم الذين يقعون ضحايا مقدمي الرعاية الصحية عديمة الأخلاق والمبادئ.
إن أنظمة القطاع الصحي معقدة التركيب وغامضة لعامة الناس وهي بيئة خصبة للفساد، وعلى الرغم من أن غالبية العاملين في القطاع الصحي يقومون بأداء مهامهم العلمية والعملية بجد ونزاهة وتكامل مهني، إلا أنه هناك مؤشرات وأدلة لانتشار الفساد في كافة أنواع القطاعات الصحية على شكل أنشطة تتصف بالتحايل والارتشاء في الخدمات الصحية على اتساعها وشمولها وتتراوح هذه ما بين السرقات الصغيرة والمحدودة وعمليات الابتزاز إلى الانحرافات الهائلة للسياسات والتمويل المالي وإلى رشاوي المسؤولين، وأشكال الفساد هذه تفشت وتصاعدت لتخترق كافة أشكال الرعاية الصحية للقطاع العام و القطاع الخاص إن كانت في شكل الرعاية الأولية أو الرعاية المتقدمة.
انتشار الفساد هو انعكاس لثقافة سلبية منتشرة في البيئة التي يخدمها القطاع الصحي، فقد أظهرت الدراسات أن الفساد هو أقل انتشارا في المجتمعات التي تحترم القانون، وتتصف بالشفافية والثقة بالأخر، والتي يكون القطاع الصحي العام بها ملتزم بإدارة ناجعة بمرجعية إجراءات ونظم أخلاقية موثقة وآليات مسائلة معلنة وواضحة للجميع.

لماذا القطاع الصحي عرضة للفساد أكثر من غيره؟
إن عوامل المخاطرة التي تؤدي إلى الفساد في القطاعات المختلفة تؤثر على القطاع الصحي أيضا بالإضافة إلى عوامل خاصة به تجعله عرضة للفساد أكثر من غيره، فالقطاع الصحي يتصف بغموض مهني معقد لا يسمح بسهولة المراقبة وقياس أداء الخدمات والبرامج من خارج القطاع، كما وأن القطاع الصحي يتصف بالتشتت وعدم تماثل نظم المعلومات به ويتصف أيضا بحاجته لعدد كبير من المهن المختلفة والمتنوعة التي تخدم القطاع تتراوح ما بين صانعي القرار والمشرعين والإداريين والأطباء والتأمينات الصحية مما يفاقم الصعوبات والمشاكل في عملية تحليل المعلومات وفي عملية الترويج للشفافية واستكشاف منابع الفساد، بالإضافة لاعتماد القطاع الصحي على شركات القطاع الخاص لتوفير البنية التحتية وبناء الإنشاءات وتوفير العقاقير والمستلزمات الطبية والخدمات الاستشارية وكذلك هو عرضة للفساد لتضخم حجم ميزانيته من المال العام، ومما يزيد الأمر تعقيدا هو حقيقة الإخفاق في التمييز ما بين كون تردي اوضاع الخدمات الصحية في القطاع العام هي نتاج الفساد أو هي نتاج عدم توفير موارد كافية أو كونه نتيجة أخطاء مهنية ونقص بالكفاءة والتدريب، ويتعقد الوضع أكثر لصعوبة قياس هدر الموارد المالية الإجمالية للفساد في هذا القطاع، كما ويزدهر الفساد في القطاع الصحي بسبب عوامل خطورة من مثل الرواتب المتدنية للعاملين الصحيين بسبب خفض وتحديد الدولة الميزانيات الصحية وعدم تقدير ومكافئة الإنجازات الطبية المميزة، وغياب مراقبة تنفيذ الإجراءات والإخفاق بالأشراف على المقاييس المهنية وغياب عقاب المخالفين جزائيا وحقوقيا.
ما هي عواقب الفساد في القطاع الصحي؟
 الفساد عمومًا يحرم المواطنين من سهولة النفاذ السهل للرعاية الصحية ومن الممكن أن يؤدي إلى تقديم علاج خطأ أو مميت وليس هناك مواطن محصن من أي يكون ضحية لهذا النوع من الفساد، إلا أن الفقراء أكثر تأثراً بفساد القطاع الصحي لأنهم أقل قدرة على التأقلم والاستجابة للبيئة الفاسدة وهم يعتمدون مباشرة على الخدمات شبة المجانية التي يقدمها القطاع العام المنهك بالفساد، وهم غير قادرين على إيجاد بديل ودفع مقابل خدمات صحية بالقطاع الخاص. على مستوى السياسات يؤدي الفساد في القطاع الصحي لتحويل وتوجيه الأموال إلى مشاريع محددة لمنفعة شخصية أو مالية بغض النظر عما إذا كانت تتناغم والسياسة الصحية على المستوى الوطني.
ما هي أشكال الفساد في القطاع الصحي؟ ترتكب أنشطة الفساد بالقطاع الصحي من قبل جهات عديدة ومتقاطعة تشمل صانعي القرار والمدراء على المستوى التنفيذي والرقابي، والموظفين العموميين في التأمين الصحي، وأطباء القطاع الخاص والعام وشركات الأدوية والمستلزمات الطبية وشركات تقديم الخدمات الفندقية والمرضى أنفسهم وتتضمن اشكال الفساد المنتشرة في القطاع الصحي ما يلي:
1) فساد الأطباء في القطاع العام: يتقاضى الطبيب في القطاع العام راتب ثابت بغض النظر عن عدد الحالات التي يتعامل معها أو نوعية الخدمة التي يقدمها وهذا يشكل عامل خطر للتراخي في تقديم الخدمات بالشكل الجيد ويعتبر شكلا من إشكال الفساد. أشكال الفساد الأخرى التي قد يقوم بها الطبيب في القطاع العام هي بإساءة استخدام وظيفته العامة بتحويل المرضى لخدمات في القطاع الخاص لمنفعة شخصية أو مالية، أو استخدام الخدمات والمستلزمات الطبية في القطاع العام لمرضى القطاع الخاص، وقد يعمل أطباء القطاع العام في القطاع الخاص على الرغم من أن الأنظمة لا تسمح بذلك، على حساب مجهودهم الذي من المفترض أن يقدم للمرضى في القطاع العام، وقد يقوم الأطباء في القطاع العام بإساءة استخدام صرف العقاقير الطبية لمنفعة شخصية أو لمنفعة أصدقائهم أو أقاربهم أو بهدف إعادة بيعها لمنفعة مالية او بهدف استخدامها في القطاع الخاص، وشكل أخر من أشكال الفساد التي يقوم بها الطبيب في القطاع العام هو الحصول على منفعة شخصية أو مالية مقابل الخدمات التي يقدمها للمرضى والتي من المفترض أن تكون مجانية او شبة مجانية. إن أنشطة الفساد هذه التي يقوم بها بعض الأطباء في القطاع العام غير قانونية وغير أخلاقية إلا أنه في كثير من دول العالم الثالث ينظر إليها على أنها أنشطة مقبولة اجتماعيا للتأقلم مع الرواتب المتدنية وبيئة العمل السيئة.
2) فساد الأطباء في القطاع الخاص: هناك فرصة للعاملين في القطاع الصحي الخاص لارتكاب أنشطة فساد بسبب تأثيرهم المباشر على القرارات الطبية بالتشخيص ووصف العقاقير الطبية، وفترة الإدخال للمستشفى، وطلب الفحوص المخبرية وتحويل المرضى لاستشارات أو خدمات إضافية وتحرير التقارير الطبية، فإذا لم تكن هذه القرارات في صالح المريض بمرجعية اخلاقيات المهن الصحية وإنما كانت بهدف الربح والكسب غير المشروع للطبيب فتشكل أنشطة فساد وهي للأسف منتشرة بكثرة في القطاع الخاص.
3) الدخل المالي غير المنظور للأطباء والمهنيين الأخرين يأخذ اشكال عديدة منها إساءة صرف العقاقير والمستلزمات والمعدات الطبية لاستخدامها في عمليات إعادة البيع أو في الممارسة بالقطاع الخاص أو لاستخدامها من قبل الأصدقاء والأقارب بهدف منفعة العلاقات الشخصية، ولا يمكن النفي بأن يكون الدخل غير المنظور من الاختلاس والسرقة المباشرة من عوائد تقديم الخدمات للمواطنين بطرق تحايل عديدة، أو الحصول على دخل مالي أو منفعة شخصية مقابل تقديم خدمات يفترض أن تقدم مجانا، أو الحصول على هذه المنافع مقابل التحويل للقطاع الخاص أو مقابل تقديم علاجات معينة باهظة الثمن.
4) الفساد في المشتريات يأخذ إنماط مختلفة فقد يكون على شكل الموافقة على قيم مالية تتجاوز القيمة الحقيقية، أو على شكل الاخفاق في تعزيز وتشجيع المعايير التعاقدية القانونية بالنسبة لجودة العقاقير والمستلزمات والمنشآت، أو شراء خدمات فندقة وخدمات صيانة وتنظيف ثمنها باهظ لا يتناسب مع جودتها.
5) الفساد في آليات تحصيل المال العام، كالتراخي في إجراءات تحصيل الرسوم المقررة، أو عدم التحصيل المالي عن طريق علاج المرضى غير المؤمن عليهم صحياً باستخدام بطاقات أشخاص مشمولين بالتأمين الصحي، وصرف بطاقات تأمين صحي لأشخاص لا يستحقونها، وكذلك تقديم فواتير غير حقيقية للتأمين الصحي لعلاج المرضى في القطاع الخاص، وقد يصل هذا النوع من الفساد في بعض الأحيان إلى التزوير المباشر في سجلات وقيود الفواتير ودفاتر الإيصالات، وقد يكون الفساد في هذا المجال بالانتفاع بتحويل مرضى المستشفيات العامة بصوة غير مناسبة وبدواعي غير حقيقية للقطاع الخاص بهدف المنفعة المالية أو منفعة العلاقات الشخصية.
6) الفساد في سلسلة التعامل مع المستلزمات الطبية، ويشمل ذلك تحويل مسار أو سرقة المستلزمات الطلية عند نقاط معينة في نظام التوزيع، وقد تكون على شكل قبول مبالغ نقدية مقابل الموافقة واعتمادا منتجات محددة أو تسهيلات خاصة بإجراءات التخليص الجمركي أو بشأن وضع الأسعار وتحديدها، وقد يكون الفساد في هذا المجال بالسماح باستخدام ووصف عقاقير ومستلزمات محددة دون غيرها مقابل مردود مالي للجان العطاءات أو للأطباء أو على شكل توفير أدوية دون المستوى الحقيقي أو ذات معايير مخالفة.
7) فساد صانعي القرار والمدراء على المستوى التنفيذي والرقابي: هناك دور أساسي للحكومة بتقديم الخدمات الصحية للمواطنين بتوفير الرقابة على الخدمات الصحية بما في ذلك سلامة العقاقير وفاعليتها وضمان أن المهنيين في القطاع الصحي حاصلين على شهادات معترف بها ويحملون تصاريح مزاولة المهن، وضمان رفد المنشاءات الصحية المختلفة بالموظفين والمستلزمات. غياب الرقابة عادة ما يوفر الفرصة لأنشطة الفساد فعلى سبيل المثال شركات الأدوية تتدخل في نتائج الأبحاث العلمية حول فاعلية العقاقير الطبية أو تقدمها للجهة الرقابية بطريقة تغاير الواقع بهدف الحصول على الموافقة، وقد يحصل الفساد بالتغاضي عن مراقبة متطلبات مزاولة المهنة إن كان عن طريقة الرشاوي أو الحصول على منفعة شخصية للمسئولين.
8) الفساد المتعلق بالتأمين الصحي: على مستوى السياسات العامة يكون الفساد بالتأمين الصحي بمظهر عدم المساواة والعدالة من قبل الحكومة بعدم توفير الميزانية الكافية لصندوق تأمين صحي معين بهدف دعم صندوق آخر بدوافع سياسية لدعم المستفيدين من هذا الصندوق. قد يتعرض "التأمين الصحي" للفساد من قبل الاخرين خارج إدارته إن كانوا مرضى أو أطباء، لكن العاملين به قد يرتكبوا الفساد أيضا بالتحايل على الأنظمة وتوفير خدمات التأمين لأشخاص لا يستحقونه لأهداف سياسية أو بهدف منفعة شخصية لهم. وقد يرتكب الفساد في التأمين الصحي بقبول فواتير علاج غير حقيقية من القطاع الخاص، أو بمحاولة رفض أو تأخير فواتير علاج حقيقية بهدف الحصول على منقعة شخصية أو مالية من قبل القطاع الخاص، وقد يقوم الموظفين في التأمين الصحي بدفع رشاوي لآخرين بهدف التغاضي عن قيامهم بممارسات غير قانونية.
9) الفساد الذي يرتكبه المرضى: قد يقوم المرضى بادعاء الفقر للحصول على تأمين صحي مجاني، أو يقوموا بأنشطة فساد على شكل استخدام بطاقة تأمين صحي لأشخاص أخرين كالأصدقاء والأقارب، وقد يكون الفساد الذي يرتكبه المرضى بالشراكة مع الأطباء بغرض منفعة شخصية أو مالية للحصول على تقارير طبية مخالفة للوقع توفر لهم تجاوز القانون كالحصول على رخصة قيادة مركبة أو الإعفاء من الخدمة العسكرية، أو الحصول على مكاسب وإعفاءات مالية تقدم للمعاقين، أو بغرض منفعة شخصية أو مالية بتوفير النفاذ لخدمات صحية في قطاعات غير المنتفعين عادة بها.
10) فساد شركات الأدوية والمستلزمات الطبية: يكون الفساد بهذا المجال على شكل اعطاء معلومات غير صحيحة عن منتجاتهم الصحية ونوعية الأجهزة الطبية أو إعادة تغليف منتجاتهم بأسماء معروفة عالميا وتغير بلد المنشأ بهدف الحصول على ربح كبير، أو بتغير تاريخ انتهاء الصلاحية. قد يقوم المدراء بهذه الشركات بتقديم الرشاوي المباشرة وغير المباشرة للمسئولين عن العطاءات الصحية، وقد تمتد هذه الرشاوي لمشاريع بناء المنشاءات الطبية الكبيرة.

التوصيات الخاصة بمكافحة الفساد في القطاع الصحي
مواجهة الفساد في القطاع الصحي يتطلب التزام واسع النطاق باحترام القانون وتطبيق محتواه وتطبيق أنظمة الخدمة المدنية النافذة المفعول ووجود آليات للالتزام بالمسؤولية بمرجعية الأخلاقيات المهنية وأخلاقيات الموظف العام، ونجاح مكافحة الفساد في القطاع الصحي يتطلب أيضا توفر وسائل إعلام مستقلة ومجتمع مدني قوي.

ضمان شفافية المعلومات عن القطاع الصحي
1. من الواجب على الحكومة ووزارة الصحة إصدار معلومات حول الميزانيات المخصصة للصحة وحول أداء هذه الخدمات على المستويات الوطنية والمحلية، بوسائل الأعلام التقليدية والحديثة بحيث تخضع الإدارات الحكومية والمستشفيات وشركات وهيئات التأمين الصحي لعمليات تدقيق محاسبية مستقلة، كما ويتوقع من الحكومة والسلطات أن توفر معلومات حول عمليات العطاءات والمناقصات بما في ذلك إجراءات العروض والشروط وعمليات التقييم والقرارات النهائية المتعلقة بها.
2. يجب تطبيق انظمة فعالة على الصعيد الوطني من أجل الابلاغ عن التأثيرات المناوئة للعقاقير الطبية وتوفير حافز للأطباء للتبليغ عن هذه المعلومات، وتوفير قاعدة بيانات عامة تدرج فيها كافة نتائج الأبحاث المتعلقة بالعقاقير الطبية المستخدمة من قبل القطاع العام للتأكد من نجاعة الأدوية التي تقدم للمواطنين، بالإضافة للكشف عن كل دعم مالي تقدمه شركات الأدوية لأبحاث تتعلق بمنتجاتها.

ضمان تطبيق أخلاقيات المهن الصحية ومدونة سلوك الموظف العام
1. إن تطبيق أخلاقيات المهن الصحية ومدونة سلوك الموظف العام يتطلب جهدا يتجاوز التثقيف بها وتوفيرها لجميع العاملين، إلى عملية التدريب العملي المستمر على إجراءات تطبيقها في كافة قطاعات النظام الصحي على المستوى الوطني للأطباء والصيادلة والإداريين، ويجب أن تكون هذه المدونات مرجعا صريحا وواضحا للوقاية من الفساد وتناقض المصالح التي من الممكن أن تؤدي إلى الفساد وكذلك يجب أن تكون مرجعا للاستجابة لأنشطة الفساد بالعقوبات الواردة بها.
2. يجب على شركات الأدوية والأجهزة الطبية أن تتبنى مبادئ أخلاقية واضحة للأعمال التجارية تتعلق بمقاومة الرشوة تلتزم من خلاله الشركات تطبيق برنامج شامل مقاوم للفساد.

مشاركة وأشراف هيئات رقابية مستقلة
1. يجب على السلطات الصحية توفير وتمهيد الطرق والسبل للإشراف العام من قبل هيئات مستقلة، والذي يحسّن من الأداء والشفافية، ومراقبة المشتريات واختيار الادوية.
2. السياسات الصحية العامة وماهية الخدمات الصحية والميزانيات الصحية يجب أن تكون منفتحة على عملية الفحص والتدقيق العام، حيث تكون كافة مراحل تشكيل الميزانية، التنفيذ وتقديم التقارير سهلة الوصول بالكامل لمؤسسات المجتمع المدني.

الحماية بواسطة إيجاد آليات للتبليغ عن الفساد
1. يتوقع من الحكومة أن توفر آليات آمنة وقانونية للتبليغ عن الفساد للأفراد العاملين في هيئات وإدارات المشتريات والسلطات الصحية على مختلف مستوياتها، وكذلك للمهنيين مقدمي الخدمات الصحية وموردي العقاقير والمستلزمات الطبية.
2. كما يتوجب على شركات الادوية والمستحضرات الصيدلانية التعريف بآليات التبليغ من الفساد.

خفض محفزات الفساد
1. ضمان استمرارية الرقابة الحازمة على جودة الخدمات الصحية المقدمة للمرضى والرقابة على الأمور المالية لضمان أن طبيعة هذه الخدمات يمليها حالة المريض السريرية وليس المنافع الشخصية أو المالية أو الربح غير المنظور.
2. يجب ان يدفع للأطباء، والممرضين والمهنيين الصحيين الاخرين اجرًا كريمًا ومقبولا، يتوافق ومستواهم التعليمي، مهاراتهم وتدريبهم.

قواعد لمنع تضارب المصالح
1. على الحكومة تبني قواعد لمنع تضارب المصالح التي لا تجيز لأفراد أو جماعات ذات صلة أو مصلحة ومنفعة في مصانع المستلزمات الطبية والأدوية، من المشاركة في دراسات وتجارب الادوية الاكلينيكية.
2. يتوجب على الحكومة ان تدفع باتجاه تبني مبادئ الشفافية في عمليات تنظيم الادوية، بما في ذلك خفض عملية الترويج المكثف للأدوية، ووضع قيود علمية على الاطباء فيما يتعلق بوصف الادوية ومراقبة اشد وأوثق على العلاقات بين الادارات الصحية وصناعات الادوية.
3. يتوجب على السلطات المختصة بالترخيص الصحي تحديد قواعد معينة وخاصة لسلوك الاطباء بخصوص العلاقات مع مصانع وشركات صناعة الادوية والأجهزة الطبية.

مواثيق ومعاهدات النزاهة وحظر الفساد
1. تطبيق اتفاق ملزم من جانب كلا من المناقصين والحكومة بأن لا يعرضوا او يقبلوا رشاوي بالتعاقدات العامة على المشتريات الرئيسية في القطاع الصحي.
2. يجب على الحكومة حرمان ومنع وحظر الشركات التي يعرف أنها تنخرط في ممارسات الفساد من المشاركة في عمليات تقديم المناقصات ولفترات محددة او دائمة من الوقت.

عملية المقاضاة الصارمة
1. من الضروري والمهم بالنسبة للسلطة القضائية التعامل بمرجعية أن أنشطة الفساد هي أفعال جرمية تتطلب إجراءات عقابية صارمة يفرضها قانون العقوبات بقوة، فعلى سبيل المثال وليس الحصر يجب مقاضاة ومعاقبة منتجي الادوية المخالفة للمواصفات والمسئولين العامين الذين يتواطؤون ويتأمرون معهم.
2. يتوجب توفير الخبرات الضرورية والموارد المالية والاستقلالية لهيئات مكافحة الفساد بهدف الترويج لإجراءات الوقاية من الفساد في القطاع الصحي، ودعم العاملين بها للقيام بمهامهم واداء واجباتهم، وان يتم تدعيمهم بمحاكم مستقلة مختصة.
مجددا إن الصحة هي حق انساني عالمي وان الفساد يحرم كثير من المواطنين من النفاذ الميسر والسهل للرعاية الصحية، ولا توجد طرق معالجة بسيطة للسيطرة على الفساد في القطاع الصحي، ولكن تعتبر التوصيات المشار إليها أعلاه عوامل لتوفير بيئة تمنع، او تعيق، أو تخفض وتتحكم في وتسيطر على الفساد، وهي نداء يوجه للتعامل معها ولاتخاذ الاجراء بشأنها ويوجه هذا النداء الى الباحثين، والحكومات والقطاع الخاص، ووسائل الاعلام والمواطنين.
الدكتور هاني جهشان

مستشار الطب الشرعي
www.jahshan.club

2016/07/01

حقوق المريض

المفهوم العام لحقوق المريض يندرج في ثلاثة إتجاهات رئيسية وهي حقوق المريض على الدولة كضامنة لحقوق الإنسان لجميع مواطنيها، وحقوق المريض على مؤسسة التأمين الصحي المعنية بعلاجه، وحقوق المريض على الطبيب الذي يقدم له العلاج مباشرة. 
حقوق المريض على الدولة وعلى المؤسسة المؤمن لديها هي عبارة عن حقه بسهولة النفاذ لخدمات رعاية صحية وقائية وعلاجية جيدة، بما في ذلك حقه بسهولة الوصول والنفاذ لخدمات الرعاية الصحية الطارئة، وحق المريض في أختيار مقدمي الرعاية الصحية له، وحق المريض بسهولة التحويل لخدمات الرعاية الصحيةالمتخصصة والمتقدمة، وحقه بالحصول على خدمات الرعاية الصحية المستمرة في مختلف المؤسسات الصحية دون أي إنقطاع، وحقه بقبول أو رفض المشاركة فيالأبحاث الطبية والتدريس من خلال الرعاية الصحية المقدمة له، وحق المريض في الحصول على العقاقير الطبية الموصوفة له بسهولة ويسر، وحقه بالحصول على خدمات الرعاية الصحية في كافة المحافظات، وحقه بمعرفة القوانيين والقواعد والسياسات المتعلقه بالتأمين الصحي وإجراءات علاجه، وحقه بمعرفة تفاصيلتكاليف علاجه.
أما حقوق المريض على الطبيب فتتمثل في حقه أن يعامل بإحترام دون المساس بكرامته، وحقه بإتخاذ القرارات المتعلقه بالإجراءات التشخيصية والعلاجية والموافقة المتبصرة عليها بما في ذلك القرارات المتعلقه في نهاية الحياة، وحقه بالحفاظ على السرية في جميع مراحل العلاج بما في ذلك سرية المعلومات والملفات الطبيبة المتعلقه به، وحقه بالخصوصية دون أية تدخلات خارجية، وحقه بالحصول على معلومات مكتوبة حول طبيعة مرضه وعلاجه ومستقبله المرضي، وحقه بعدم إستغلال مرضه لحصول الطبيب على حوافز أو أجور إضافية غير حقيقية. 
هناك أيضا حق المريض بالتعبير عن الظلم الواقع عليه بسبب المساس بحقوقه، كحقه بتقديم شكوى أو تظلم عن إجراءات علاجه أو ضد قرارات التأمين الصحي بما يتعلق بخدمات الرعاية الصحية المقدمة له وحق المريض بوجود إجراءات واضحة ومعلن عنها لتقديم الشكاوى، وحق المريض بتقدم الطعون ضد قرارات تتعلق بتقديم خدمات الرعاية الطبية له على مستوى الجهة مقدمة التأمين وعلى مستوى الدولة.
جميع هذه الحقوق المذكورة أعلاه عالجتها التشريعات الأردنية في أماكن متفرقة من القوانين كقانون الصحة العام ونظام التأمين الصحي وقوانين النقابات المعنية المتعددة والدستور الطبي، ولم ترد في ميثاق أو نظام أو قانون موحد، وفيما يلي مثال على ذلك بما يختص بالعلاقة ما بين الطبيب والمريض والمفصلة بالدستور الطبي:

العلاقة بين الطبيب والمريض في التشريعات الأردنية هي كما يلي:
أوجبت مهنة الطب على الطبيب أن يحترم المريض في كل وقت وفي كل مكان، فقد نصت المادة 1 من الدستور الطبي على "إن مهنة الطب مهنة إنسانية وأخلاقية وعلمية قديمة قدم الإنسان، أكسبتها الحقب الطويلة تقاليد ومواصفات تحتم على من يمارسها أن يحترم الشخصية الإنسانية في جميع الظروف والأحوال وان يكون قدوة حسنة في سلوكه ومعاملته مستقيما في عمله، ومحافظا على أرواح الناس وأعراضهم، رحيما بهم وباذلا جهده في خدمتهم. وتقوم المسؤولية بين الطبيب والمريض على بذل العناية وعدم الإهمال وليس الشفاء." كما وأوجبت مهنة الطب على الطبيب أن يعامل جميع المرضى بنفس هذه المعاملة الجيدة، حيث نصت المادة 12 من الدستور الطبي "على الطبيب عند قبوله رعاية أي شخص سواء في عيادته الخاصة أو في أي منشأة صحية أن يبذل كل جهده وطاقته لتقديم العناية والعطف والإخلاص لكل المرضى على حد سواء."
إن احترام خصوصية المريض وسرية علاجه وحرية موافقته على العلاج هي حقَّوق أساسية لأي فرد بالمجتمع، وهذه الحقوق هي جوهر بناء جو الثقة بين الطبيب والمريض، مما بؤدي بالتالي لتقديم أفضل رعاية صحية له بظروف أخلاقية مهنية راقية.

حرية المريض لاختيار طبيبه وحرية الطبيب لاختيار مريضه:
إن العلاقة بين الطبيب والمريض تعرف بأنها عقد قانوني قائم على الموافقة الحرة المتبادلة بين الطرفين، إلا انه يصعب تحقيق ذلك في الـمُنشَأت الطبية الكبيرة، العامة والخاصة، وخاصة بوجود تنظيم إداري هيكلي محكم؛ مثل الخدمات الطبية العسكرية أو مُنشَأت وزارة الصحة أو الـمُنشَأت الصحية بالسجون، حيث تدخل مثل هذه الـمُنشَأة كطرف ثالث يحدد الاختيار والموافقة بين الطبيب والمريض.
إن المريض الذي يتلقى الرعاية الصحية بمثل هذه الـمُنشَأت الكبيرة ليس له مطلق الحرية باختيار طبيبه بسبب وجود ترتيبات إدارية لكل منشأة تحكم على المريض أن يتلقى الرعاية الصحية من قبل طبيب مُعَينْ من قبل إدارة المنشأة، ويكون العقد هنا قائم بين المريض وبين المنشأة.
إن حرية الطبيب الذي يعمل بمثل هذه الـمُنشَأت الكبيرة هي أيضا محددة؛ إذ لا يحق له أن يختار مرضاه كما يشاء، ويبقى واجب الطبيب المهني نحو مريضه قائما حتى وإن خالف المريض القواعد الطبية أو لجأ إلى رفض العلاج.

حرية المريض بالوصول للمعلومات الطبية عن حالته:
يحق للمرضى التزود بكافة المعلومات اللازمة عن حالتهم الصحية وعلاجهم والدواء الموصوف لهم، إن كان على شكل شهادة طبية أو تقرير طبي. ويعطى المرضى حق الوصول للمعلومات بملفاتهم الطبية التي أعدت لهم داخل العيادة الخاصة أو داخل الـمُنشَأت الصحية الكبيرة، باستثناء الحالات التي يتطلب العلاج الطبي على خلاف ذلك حفاظا على مصلحة المريض.
يحق للمرضى بطلب منهم أو بموافقتهم توصيل هذه المعلومات إلى عائلاتهم، محاميهم، طبيب آخر، الشرطة، القضاء، أو شركات التأمين، وعلى الطبيب أن يلتزم بالسر المهني أثناء قيامه بذلك كما نصت المادة 14 من الدستور الطبي " يجب على الطبيب عند إعداده للتقرير الطبي ألا ينسى انه ملزم بسر المهنة".

حرية المريض بالموافقة على العلاج الطبي:
على الطبيب أن يتجنب أي مبادرة طبية بدون علم المريض، حيث أن القانون وأخلاقيات مهنة الطب ضمنت لكل مريض ممـيـِّز حرية رفض العلاج أو أي تداخل أو إجراء طبي، حيث نصت المادة 62 من قانون العقوبات "لا يعد الفعل الذي يجيزه القانون جريمة. ويجيز القانون أ-... ب-... ج-العمليات الجراحية والعلاجات الطبية المنطبقة على أصول الفن شرط أن تجرى برضى العليل أو رضى ممثليه الشرعيين أو في حالات الضرورة الماسة." ونصت المادة 2 من الدستور الطبي "كل عمل طبي يجب أن يستهدف مصلحة المريض المطلقة وان تكون له ضرورة تبرره وان يتم برضائه أو إرضاء ولي أمره إن كان قاصرا أو فاقدا لوعيه."
إن أي خروج عن هذا المبدأ الأساسي، بأخذ الموافقة، يجب أن يستند إلى القانون وأخلاقيات مهنة الطب حيث نصت المادة 18 من نفس الدستور "إذا طُلِبَ الطبيب بشكل طارئ لإسعاف مريض عاجز أو فاقد لقدرته على التصرف ولم يتمكن من الحصول على الموافقة القانونية في الوقت المناسب مع تثبيت ذلك في حينه، فعليه أن يقوم بالمعالجة اللازمة دون النظر إلى أي اعتبار آخر."
قد ينشأ وضع صعب ضاغط على الطبيب، عند تعارض سلوك المريض مع الواجب العلاجي للطبيب، يحدث مثل هذا الظرف عندما يكون المريض مصمِّما على استخدام جسده، أو إيذاء نفسه بغية ممارسة ضغط بقصد تلبية طلباته، أو الاحتجاج ضد سلطة ما، أو للتعبير عن مساندته لقضية من القضايا ففي حالات الإضراب عن الطعام، يتدخل الطبيب لمنع الوفاة عندما يضعف وعي المريض، أما خلال الإضراب فيقوم الطبيب بمحاولة إقناع المضرب عن الطعام بالعدول عن ذلك، أو أن يسمح له المريض بنوع من المراقبة الطبية أثناء الإضراب.

حرية المريض بالموافقة على إشراكه في الأبحاث الطبية: 
إن إشراك المرضى في الأبحاث الطبية يعتبر من المواضيع الحساسة، فمن الواضح انه يجب الحذر في الطريقة المتبعة لطلب الإشراك، نظرا لاحتمال تأثير وضعهم كمرضى وتأثير بيئة المستشفى على موافقتهم، حيث يأملون بمعاملة أفضل بعد ذلك. ويجب أن تتخذ احتياطات لضمان الحصول من كل مريض معني بالأمر على موافقته عن طواعية وسابق علم. كما ويجب اخذ موافقة المرضى عند إشراكهم في برامج التدريس للطلاب المهنيين.
الدكتور هاني جهشان مستشار الطب الشرعي
مستشار الطب الشرعي والخبير في مواجهة العنف

2014/11/12

حماية الاطفال المحتاجين لتدخل طبي

تنص المرجعيات المعرفية المتعلقة بحماية الأطفال؛ بإن إخفاق والدي الطفل بتحمل مسؤولية تقديم الرعاية الطبية له، هو شكل من أشكال "إهمال الأطفال" ويهدد حياة الطفل مباشرة ويتطلب التدخل متعدد القطاعات الصحية والإجتماعية والقانونية، ويأخذ اشكالا متعددة من أهمها عدم الالتزام بتوفير وتنفيذ خطة العلاج التي وضعها أو وصفها الطبيب مما يؤدي إلى حدوث الضرر فعليا أو المخاطرة باحتمال حدوثه، أو قد يحدث بالتأخير في طلب الرعاية الطبية لحالة مرضية بها مؤشرات تستوجب التدخل الطبي العاجل. إن خطورة هذا الشكل من أشكال الإهمال على حياة الطفل تعتمد مباشرة على ماهية الحالة المرضية التي يعاني منها الطفل وعلى ما تتضمنه من مخاطر كامنة تهدد حياته في حال عدم تقديم الرعاية الطبية له.
جذور مشكلة إهمال تلبية احتياج الطفل للرعاية الطبية هي عبارة عن عوامل خطورة تتفق والنموذج البيئي متعدد الأسباب المتقاطعة مع بعضها البعض (1) فهناك عوامل متعلقة بالفرد كون أحد الوالدين او كلاهما يتصف بالجهل أو يعاني من الإدمان على الكحول أو المخدرات أو من أمراض أو اضطرابات نفسية، او من غياب المهارات الوالدية وغياب القدرة على التخطيط وهناك (2) العوامل المتعلقة بمدى واسع من اضطرابات العلاقة ما بين الوالدين وخاصة في الأسر الفوضوية، بما في ذلك انفصال الوالدين أو حدوث الطلاق بينهما، وأيضا اضطراب العلاقة ما بين أحد الوالدين أو كلاهما مع طفل غير مرغوب بولادته او طفل غير مرغوب بوجوده بالأسرة كان يكون غير شرعي أو معاق أو يعاني من أمراض خطيرة أو مزمنة، أما العوامل (3) المجتمعية التي قد تؤدي إلى إهمال تقديم الرعاية الطبية للطفل فتشمل الفقر والبطالة وغياب التأمين الصحي للأطفال أو وجود معيقات إدارية وتنفيذية في تطبيق هذا التأمين، وغياب أو ضآلة توفر الخدمات الصحية بالمجتمع المحلي، اما العوامل المتعلقة (4) بالثقافة الاجتماعية السائدة حول الأمراض الخطيرة او المزمنة أو الإعاقات، بأنها "قضاء وقدر" يجب تقبله والاستسلام له، أو انتشار أفكار من أن هذه الأمراض الخطيرة أو الإعاقات هي نتيجة خطيئة أو أرواح شريرة أو من فعل الشيطان، لا مجال لعلاجها، وكذلك أنتشار ثقافة الوثوق بعلاج المشعوذين أو العلاج الشعبي بالتعاويذ  والتمائم.
أخذين بعين الاعتبار عوامل الخطورة السابقة فإن الأطفال الأكثر عرضة للإهمال بتقديم الرعاية الطبية لهم، هم الأطفال حديثي الولادة بتشوهات خلقية، أو الأطفال الخدج بولادة مبكرة أو ذو الوزن الأقل من الطبيعي، والأطفال الذين يعانون من الشلل الدماغي أو الإعاقات الشديدة أو الأمراض المزمنة المستعصية.  
المرجعية القانونية:
إن الأساس في أي تداخل طبي أو جراحي، في الحالات العادية، أن يجرى برضى المريض أو ولي أمره فقد نصت المادة 2 من الدستور الطبي الأردني على أن "كل عمل طبي يجب أن يستهدف مصلحة المريض المطلقة وأن تكون له ضرورة تبرره وأن يتم برضائه أو رضاء ولي أمره أن كان قاصرا أو فاقداً لوعيه" كما نصت الفقرة ج من المادة 62 من قانون العقوبات على أن "لا يعد الفعل الذي يجيزه القانون جريمة. ويجيز القانون العمليات الجراحية والعلاجات الطبية المنطبقة على أصول الفن شرط أن تجري برضى العليل أو رضى ممثليه الشرعيين أو في حالات الضرورة الماسة."
ففي حال كان الإهمال بتقديم الرعاية الطبية للطفل برفض ولي أمره إجراء تداخل طبي أو جراحي، أو  كان بطلب ولي أمر الطفل إخراجه من المستشفى وهو بحالة صحية حرجة رغم نصيحة الطبيب، وكان هناك مخاطر على صحة أو حياة الطفل، فيتوقع من الطبيب أن يبادر بطلب توفير الحماية الاجتماعية للطفل بإعلام وزارة التنمية الاجتماعية وتطبيق المادة 31 من قانون الأحداث التي نص البند التاسع منها على "يعتبر محتاجا الى الحماية او الرعاية من كان معرضاً لخطر جسيم إذا بقي في اسرته" وقد سمح قانون الأحداث بإن يتم إجراء الحماية هذا عاجلا وعلى مدار الساعة عن طريق مكاتب الخدمة الاجتماعية في إدارة حماية الأسرة أو مديريات التنمية الاجتماعية، وعقب هذا الإجراء تصبح وزارة التنمية الاجتماعية المسؤولة المباشرة عن كافة إجراءات علاجه  وتقديم الرعاية الطبية له.
من الناحية الجزائية يشكل الإهمال برعاية الطفل صحيا أو هجره بالمستشفى جريمة بمرجعية المادة290 عقوبات التي تنص على "يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر الى سنة كل من كان والداً او ولياً او وصياً لقاصرٍ لم يكمل الخامسة عشرة من عمره او كان معهودا اليه شرعا أو قانوناً امر المحافظة عليه والعناية به، ورفض او أهمل تزويده بالطعام والكساء والفراش والضروريات الاخرى مع استطاعته القيام بذلك، مسببا بعمله هذا الاضرار بصحته، أو تخلى عنه قصدا او بدون سبب مشروع او معقول - مع انه قادر على اعالته - وتركه دون وسيلة لإعالته .وتكون العقوبة الحبس من ستة أشهر إلى سنتين إذا كان القاصر لم يكمل الثانية عشرة من عمره" وتتصف هذه الجرائم بأحقية قيام المدعى العام بالملاحقة دون تقديم شكوى محددة فقد نصت الفقرة ج من المادة 3 من قانون أصول المحاكمات الجزائية "إذا تعارضت مصلحة المجني عليه مع مصلحة من يمثله او لم يكن له من يمثله تقوم النيابة العامة مقامه"
الاستجابة:
يتوقع أن يتم التعامل مع حالات "الإهمال بتقديم الرعاية الطبية" للطفل، بمرجعية التشاركية للقطاعات الطبية والإجتماعية والقانونية لمحاولة تحديد جذور المشكلة بالاستناد لمبدئ المصلحة الفضلى للطفل وبأسلوب قائم على بناء علاقة ثقة مع والدي الطفل وعلى التعاطف وتجنب اللوم والتوبيخ، وإظهار التعاطف والرغبة بالمساعدة.
في حال وجود مؤشرات على إحتمال وجود مثل هذا الشكل من أشكال الإهمال أو التأكد من حدوثه، وبسبب المخاطر الكامنة التي تهدد حياة الطفل مباشرة بسبب مرضه، يتوقع من الجهات الحكومية الممثلة في وزارة التنمية الاجتماعية والنيابة العامة أن تتدخل مباشرة لتحمل مسؤوليتها بحماية الطفل اجتماعيا بما في ذلك ضمان تنقيذ كافة الإجراءات الطبية، وأيضا بالملاحقة الجزائية لولي أمر الطفل بما يتفق مع القانون.
إن توفير الرعاية الصحية هو حق أساسي للطفل ضمنه الدستور والاتفاقيات الدولية، وتتحمل الحكومة مسؤولية تنفيذه بما في ذلك الأطفال المتعرضين لمخاطر الإهمال بتقديم الرعاية الطبية لهم، ويتوقع من الحكومة أن توفر الحماية الاجتماعية لهؤلاء الأطفال بما في ذلك الرعاية الطبية، وهذا يتضمن أيضا تجاوز أي معيقات إدارية أو تنفيذيه لتطبيق التأمين الصحي للأطفال الذي ضمنته التشريعات الأردنية، فلا مجال للتراخي أو التأخير عندما تكون حياة الطفل المنبوذ او المهجور مهددة بالموت.

الدكتور هاني جهشان، مستشار الطب الشرعي 
الخبير في مجال الوقاية من العنف




2012/05/14

اعتداءات جسدية ولفظية على أشخاص ذوي إعاقة داخل دور رعاية "خاصة"

صعوبة البوح بما يحصل مع هذه الفئة وتضارب المرجعيات يساهم في تفشي الاعتداءات عليها بصمت 
اعتداءات جسدية ولفظية على أشخاص ذوي إعاقة داخل دور رعاية "خاصة"
تحقيق موثق وجريء لبي بي سي بكاميرات سرية عن حكايات لا تصدق تجري في عمان 
حرمان من الطعام وضرب وحرق بالأسيد وانتهاكات جنسية وتعذيب نفسي وجسدي

تحقيق: حنان خندقجي
عمان- في إحدى زوايا مركز خاص لإيواء الأشخاص ذوي الإعاقة في عمان الغربية جلس حسان على كرسي بلاستيكي، وقد ربط خصره كي لا يتحرك.
فهو، كما فسرت مشرفته، "كثير الحركة، ولا يعرف الجلوس في مكان واحد، ولا يميز بين الأشياء، فقد يسكب المواد الساخنة على جسده دون أن يشعر".
في الطابق السفلي، يغتسل مراد، ثماني سنوات، تحت الماء البارد بمفرده، بعد أن ضربته المشرفة أمام ناظري كاتبة التحقيق، ثم طردته من الصف، لأنه وسخ ثيابه "عن غير قصد" أثناء تناوله المثلجات.
"الدعاء" على الاطفال لا ينتهي على لسان إحدى المشرفات: "خلص، الله ياخدكم ويريّحني منكم".
فهدير الرعد في صوتها يرعب الطلاب، ويجمدهم في مقاعدهم، لأنهم يعرفون تماما أن القصاص سيأتيهم على شكل ضرب أو ربط إلى الكرسي، حرمان من الإفطار أو المعاقبة بوضع المذنب خلف الخزانة.
يوثق هذا التحقيق لانتهاكات جسدية ولفظية من ضرب، شتائم، إساءة وإهمال بحق عدد من الطلاب، ذوي الإعاقة من نزلاء عدد من دور الرعاية الخاصة في الأردن، والبالغ عددها 45 مركزا، بحسب الإحصاءات الأخيرة لوزارة التنمية الإجتماعية.
ينتسب إلى كل مركز ما لا يقل عن خمسة معوقين، ولا يزيد على 154، بين قسمي الداخلي والخارجي. في المقابل هناك 24 مركزا حكوميا في مجال الإعاقة، تتبع لوزارة التنمية الاجتماعية، ينتسب إليها بين 19 و 208 نزلاء، بين الداخلي والخارجي.
تبادل للاتهامات يفاقم مشكلة الرعاية الخاصة للمعوقين
يفاقم هذا الوضع تبادل الاتهامات بالتقصير بين وزارة التنمية الاجتماعية، الجهة المشرفة على هذه المراكز، والمجلس الأعلى لشؤون الأشخاص من ذوي الإعاقة، الجهة المسؤولة عن متابعة أحوال المعوقين منذ 2006.
تطوعت كاتبة التحقيق لدى واحد من خمسة مراكز تربية خاصة، تقع في عمان الغربية، لمدة أسبوعين، ولمرتين متباعدتين، يفصل بينهما قرابة العام، كشفت خلالها استمرار الانتهاكات، التي حصلت أمام عينيها تجاه عدد من ذوي الإعاقات البسيطة والمتوسطة، وسط ضعف رقابة الجهات المسؤولة عن هذه المراكز.
وضع دانيا، 13 ربيعا، والمصابة بالشلل الرباعي، لم يتغير كثيرا خلال فترتي الرصد.
تنام تلك الفتاة على السرير طوال الوقت، ولا تحركها مشرفتها إلا لإطعامها، أو تبديل ملابسها. كذلك حال رفيقها خالد (14 عاما)، المصاب بضمور في جسده، يبقى في السرير دون حراك، وفي حال اشفقت مشرفته على حاله، وقررت تخليصه من قفصه ذاك، تنزله عن سريره لتربطه إلى كرسي قريب.
الطفل حسان ما يزال يجلس في ذات المكان، ويلتف الحبل حول خصره حتى لا يتحرك. أما مراد، فقد عجزت مشرفته منذ السنة الماضية عن أن تعلمه حرف "أ"، وقد كانت تكرر دائما "ما في منك فايدة، ليش بدي ادرسك".
للتأكد من حصول الانتهاكات في مراكز أخرى تعنى بالأشخاص ذوي الإعاقة استعانت كاتبة التحقيق بمتطوعة أخرى، استطاعت الدخول الى أحد المراكز الخاصة في عمان الغربية، وسجلت الاعتداءات الواقعة على الأطفال من ذوي الإعاقة، داخل المركز، ما يؤشر الى إخفاقات منهجية في حماية حقوق المعوقين في مراكز يفترض أن ترعاهم.
التقت متطوعتنا بطفل يعاني التهابات حادة في أصابع قدميه، جراء تكاثر البكتيريا والأوساخ عليها، نتيجة قلة الاعتناء بنظافته من قبل القائمين على المركز.
وفي ذات المكان، لوحظ طفل آخر وهو يُركل بالأقدام من مشرفة إلى أخرى لإيصاله الحمام، وآخر يحمل كالماشية المذبوحة وينقل إلى غرفة الطعام لتناول الطعام.
صدفة تبين لكاتبة التحقيق أن المركزين يعودان للمالك ذاته، وحين تمت مواجهته بكتاب أرسلته كاتبة التحقيق له عبر الايميل، متضمنا الانتهاكات التي رصدت في المركز رفض التعليق.
مسلسل الاعتداءات الجسدية يستمر
خالد ابو دقة لم يكن يعلم، عندما ترك ابنه يوسف قبل بضعة أشهر في أحد أكبر المراكز الخاصة في عمان، انه سيعود ليجد فلذة كبده جليسا في أحد المستشفيات الحكومية، بعد أن تعرض لحروق من الدرجة الثانية والثالثة اثناء تواجده بالمركز.

أبو دقة لم يصدق رواية المشرف، الذي ادعى أن يوسف سكب على نفسه المياه الساخنة، أثناء انشغاله بالرد على الهاتف، ويقول: "وردني اتصال من إدارة المركز قبل بضعة أسابيع، مفاده ان ابني تعرض لبعض الحروق البسيطة في المركز، للوهلة الاولى لم اكترث الا انني حجزت بأول طائرة متجهة الى عمان، وتوجهت الى المستشفى، وبعد رؤيتي لخالد اصبت بصدمة فهو يعاني من حروق شديدة عكس ما اخبرني المركز".

الطفل يوسف أبو دقة الذي تعرض لحادث حرق في مركز رعاية خاص أثناء العلاج 
التقارير الرسمية، المرفقة مع التحقيق لحالة ابو دقة، والصادرة عن المركز الوطني للطب الشرعي، تؤكد أنه "تم حرق الطفل بمواد لهبية كيماوية حارقة، وان الحرق ليس ناتجا عن الماء، ويؤكد ان توزيع الحروق وماهيتها لا يمكن الجزم بأنها عرضية". توجه ابو دقة الى القضاء أملا في حصوله على كافة حقوقه، وحتى لا يتكرر المشهد مع اطفال اخرين، حسب قوله، وللآن ما تزال القضية منظورة امام المحاكم منذ ما يقارب سبعة اشهر. من جهته بين محامي المركز الخاص ان ما حدث ليوسف هو "حادث عرضي"، وان ادارة المركز تعاملت مع الحالة بكل انسانية، وقامت بنقله الى المستشفى، وتحملت نفقات العلاج، مبينا انه حاليا لا يستطيع التعليق اكثر على القضية بانتظار صدور حكم المحكمة.
طفل يتحول لكتلة لحم
حال نصار الشماعين، والد الطفل أحمد، ليس أفضل من غيره من اولياء الامور. يقول الأب بحرقة "منذ تعرض ابني للضرب المبرح على يد مشرفة في أحد مراكز ايواء الأشخاص ذوي الإعاقة الخاصة، وحالته النفسية تزداد سوءا يوما بعد يوم. ككتلة اللحم أحمل ابني وأتنقل به من مكان إلى آخر، فوزنه الآن لا يتجاوز 20 كغم، مع أنه في الخامسة عشرة. ويضيف: "كنت دائما أحرص على التحدث بالهاتف مع ابني في المركز، لأنهم كانوا يطلبون مني دائما ألا أتردد على المركز حتى يعتاد ابني على أجوائه".
ويعتصر أبو أحمد ألما وهو يشرح معاناة ولده: "لم يمض على وجوده في مركز رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة سوى 20 يوما حتى تعرض للضرب على نحو غامض. حين زرته وسألت عنه، قالوا لي إنه في الطابق العلوي يبدل ملابسه. وبعد انتظار أكثر من نصف ساعة، صعدت إلى غرفة ابني لأجد رأسه مضمدا بالشاش، وعلى جسمه العديد من الكدمات". ولدى سؤاله عن السبب؟ قالت له المشرفة: "لقد وقع عن الخزانة".

الطفل أحمد نصار الشماعين يتلقى العلاج بعد إصابته في أحد مراكز الرعاية الخاصة
الأب الحزين لم يصدق رواية المشرفة. حمل ابنه وانطلق به إلى مدينة الحسين الطبية، ليكشف له الطبيب أن ابنه "تعرض لضرب مبرح، أدى لكسر في الساعد الأيسر، وشعر في الأصبع الأوسط لليد اليمنى، وجرح في فروة الرأس".
الوثائق الطبية الرسمية من مدينة الحسين والتقرير الطبي القضائي من مستشفى الجامعة، المرفقة بالتحقيق، أكدا صحة رواية الرجل.
من جهته، وصف مدير المركز الخاص، الذي وقع فيه الحادث، ما حصل بـ "العرضي". مؤكدا أن احمد قام "برمي نفسه من على سريره باتجاه الخزانة التي اصابت رأسه". واضاف "لقد قمنا بنقل احمد الى احد المستشفيات القريبة، وقدموا له الإسعافات اللازمة والتقارير الطبية تثبت تسليمه الى والده، وهو يعاني من اصابات في الرأس فحسب".
مأساة أحمد لا تختلف كثيرا عن معاناة ابنة أم جابر، التي سارعت لسحبها بعد أن سجلتها في أحد مراكز رعاية المعوقين الخاصة. تقول أم جابر: "ابنتي عادت لي في أحد الأيام، وقد ظهرت على قدميها آثار ضرب وتعذيب، وعندما سألتها عن السبب قالت لي إن المعلمة هي من تقوم بضربها كلما أرادت دخول الحمام".
ضرب إجباري واخر اختياري
المشرف محمود يبرر تنوع صنوف الضرب بأنه "جزء من العلاج، أو لتنفيس حالة المشرف النفسية"!
"عندما يصاب شخص شديد الإعاقة بنوبات صرع أو تشنج، ولا يستجيب للأدوية أو المسكنات، يكون الحل الوحيد لدينا هو ضرب المعاق، حتى يهدأ وتنتهي الحالة التي دخل فيها، وهذا ما يسمى لدينا بالضرب الإجباري"، يشرح المشرف بثقة عالية.
"أما الضرب الاختياري، عندما يكون المشرف في حالة نفسية صعبة ويصل إلى حد لا يطاق من الضغوط في المركز، فإنه ينفس عن ذاته من خلال الطلاب، وعن طريق الضرب والشتم"، مسهبا في شرح تلك المفاهيم.
تشخيص محمود لا يندرج في كتب العلم. إذ يؤكد استشاري الأمراض العصبية والنفسية الدكتور محمد الشوبكي ان "الضرب لم يكن يوما وسيلة علاجية لأي نوع من الأمراض حتى النفسية منها"، محذرا من أنه "يزيد حالات التشنج ونوبات الصرع لدى الأشخاص ذوي الإعاقة".
شهادات غير موثقة لاعتداءات جنسية
شهادات عدة رصدناها خلال تحقيقنا على لسان أهالي الطلاب ذوي الإعاقة، يؤكدون فيها تعرض أبنائهم لاعتداءات جنسية، على ايدي مشرفين في المركز أو سائقي حافلات، لكننا لم نستطع التأكد من ذلك بصورة مستقلة.
لم تتقدم عائلة غيداء بشكوى رسمية لأية جهة حكومية أو غيرها، بعد قيام صاحب الحافلة بالاعتداء الجنسي على أختها، لعدم ثقتها بالإجراءات المتبعة في حال تقديم الشكوى، وخوفا من "الفضيحة"، على ما تزعم شقيقتها.
من جهته، يسرد المشرف أمجد (اسم مستعار)، الذي عمل في واحد من المراكز الخاصة، التي رصدنا في داخلها انتهاكات، بعض قصص التحرش الجنسي التي عاصرها، كما يقول.
"داومت لمدة تزيد على الشهرين مشرف ليلي، وذات مرة وخلال جولتي على إحدى الغرف لاحظت وجود طلاب ذكور يقومون بالاعتداء الجنسي على بعضهم البعض".
ويضيف أمجد "كنت أقوم بعمل ملف خاص عن كل حالة. وفي حال اكتشفت أن هذا الشخص يعاني من شذوذ جنسي، كنا نقوم بفصل هذا الطالب عن بقية الطلاب ووضعه في غرفة منفصلة، ولكن كنا حريصين على أن لا يعلم احد بحالة هذا الطالب لخوفنا على سمعة المركز والمشرفين".
أوضاع عمل المشرفين على هذه المراكز صعبة، كما لاحظ الكاتب؛ فسمية (اسم مستعار أيضا)، المشرفة على المنتفعين منذ ما يقارب ثماني سنوات، لا تجد في مرتبها (200 دينار) أي حافز يجعلها تحب الطلاب أو تعاملهم برفق، على ما تقول، لأنها تعمل على مدار 24 ساعة في المركز ومقابل يومي إجازة نهاية الأسبوع، كما بررت.
صعوبة الزيارات تعرقل متابعة الأهل لأبنائهم
زيارات الأهل والأقارب لهذه المراكز ليست سهلة؛ إذ تتطلب إذنا مسبقا من إدارة المركز. أما التطوع للعمل بداخلها فهو شبه مغلق، بحجة أن المعوق "يحتاج إلى شخص مؤهل وصاحب اختصاص للعمل معه"، كما أكد لنا المشرف في أحد المراكز الخاصة، سمير (اسم مستعار).
يؤكد سمير وجود شروط لزيارة الأهل، "فبعض المراكز تخصص يوما واحدا للزيارة ولا يسمح للأهل بزيارة ابنهم إلا بعد التنسيق المسبق مع الإدارة".
"رغم مكوث أخي لمدة تزيد على ثلاث سنوات داخل أحد المراكز الخاصة في شرق عمان، فإننا ما نزال ولهذه اللحظة نعاني عندما نقرر زيارته"، هذا ما تقوله منى، التي تبلغ الثلاثين ربيعا عن أخيها الأربعيني، الذي يعاني من إعاقة عقلية، تمنعه من التحدث والتواصل مع الآخرين .
وتضيف منى "تمنعنا إدارة المركز من الصعود إلى غرفة أخي لزيارته، بحجة أن له خصوصية ولا يسمح لأي شخص بتجاوزها. فهم يجبروننا على الانتظار في إحدى القاعات ومن ثم يقومون بإنزال أخي".
الأهل يخافون التقدم بالشكاوى
"خوف دائم يطارد الأهل إن قرروا التقدم بالشكوى لأية جهة رسمية في حال تعرض ابنهم للاعتداء، لأنه سيكون مهددا بالطرد في أي وقت"، هذا ما تلمسه رئيسة وحدة الرصد والشكاوى في المركز الوطني لحقوق الإنسان كريستين فضول.
فضول ترى أن هذا الحاجز يفسر اقتصار الشكاوى، الواردة للمركز منذ ثماني سنوات على اثنتين فقط، تتعلقان بانتهاكات رصدت داخل مراكز الأشخاص ذوي الإعاقة. وبعد التحري وجد المركز أن الشكوى الأولى "قدمت كيدية" بحق المركز، وقدمت من قبل أهالي الحي نتيجة عدم رضاهم عن وجوده داخل حيهم. أما الشكوى الثانية فتبين أن الوضع المادي لأهل الطفل جيد، وباستطاعتهم استيعاب هذا الطفل بينهم، ولكنهم أصروا على وضعه في أحد المراكز الحكومية، للانتفاع من اعفائهم بعدم دفع الاقساط او دفع جزء بسيط منها، والذي يقدم لهؤلاء الأشخاص بدل أن يسكن بينهم"، على ما تشرح فضول.
في الإجمال، يصل المركز الوطني 40 شكوى سنويا "عن انتهاكات خارج المراكز"، يقدمها أشخاص معوقون أو ذووهم . على أن المركز رصد العام 2010 وحده أكثر من 500 حالة انتهاك خارج مراكز الأشخاص ذوي الإعاقة، ما بين "الحق في العمل، والحق في الرعاية الصحية والحق في التعليم".
الجهات المعنية.. تبادل للاتهامات وتنصل من المسؤولية
رغم رصد التحقيق لأكثر من عشرة مراكز وقعت بداخلها انتهاكات جسدية، أو اتهامات، لم يتم التثبت من صحتها، باعتداءات جنسية، إلا أن الناطق الإعلامي باسم وزارة التنمية الاجتماعية فواز الرطروط أكد أنه تم إغلاق مركزين فقط خلال السنتين الأخيرتين، لمخالفات عدة وقعت داخلهما، كما وجهت إنذارات لأحد عشر مركزا بعد رصد مخالفات عدة داخلها.
رفض الرطروط تحديد نوع الانتهاكات، عند سؤاله عن ذلك "حفاظا على سرية المراكز"، ورغبة في عدم الكشف عن اسمائها. ويضيف الرطروط: "في حال ثبتت انتهاكات في أحد المراكز نحيل القضية إلى إدارة حماية الأسرة، التي تحقق شرطيا، ومن ثم تحيلها إلى النيابة العامة، للتحقق من الإساءة قبل إحالة القضية إلى المحكمة المختصة لمعاقبة مرتكبي الإساءات".
وزارة التنمية مسؤولة قانونيا عن رعاية شؤون الأشخاص من ذوي الإعاقة، المقدر عددهم بـ 62986 شخصا، بحسب الارقام الرسمية. وتتابع الوزارة شؤون هذه الشريحة بموجب نظام مراكز ومؤسسات الأشخاص ذوي الإعاقة، رقم 96 لسنة 2008، والتعليمات الصادرة بمقتضاه العام 2010.
أما المجلس الأعلى لشؤون الأشخاص الأشخاص ذوي الإعاقة، فيدعم ما يقارب 800 معوق، موزعين على 54 مركزا خاصا. وفوق ذلك تتقاضى المراكز أقساطا سنوية تتراوح بين 5000 إلى 16 ألف دينار عن النزيل الداخلي "المبيت"، و 250 إلى 500 للتعليم الخارجي "بدون مبيت". أمين عام المجلس الأعلى لشؤون الأشخاص المعوقين الدكتورة أمل النحاس، حملت مسؤولية الانتهاكات بحق الأشخاص ذوي الإعاقة لمن يتعامل مباشرة معهم، وهم "المشرفون بالدرجة الأولى والأهل والوزارات المسؤولة عن متابعة مراكز الأشخاص ذوي الإعاقة". وطالبت النحاس الجهة، التي تمنح التراخيص للمراكز- وزارة التنمية الاجتماعية- "بتشديد الرقابة على المراكز أو إعطاء صلاحية المتابعة لجهة أخرى".
أما الناطق الإعلامي باسم وزارة التنمية الاجتماعية فواز الرطروط فقال: إنه لا يجوز لأحد الحديث عن دور الوزارة، فهي تقوم بدورها على أكمل وجه من دون أي تقصير، معيدا كرة التقصير مرة أخرى إلى ملعب المجلس الأعلى.
بيد أن مديرة مركز أمان للتربية الخاصة (مؤسسة خاصة) ريم أبو سيدو فحملت مسؤولية ما يحصل من انتهاكات للمعوقين في المراكز الخاصة للجهات الحكومية جميعها، ممثلة بالمجلس الأعلى، ووزارة التنمية الاجتماعية، لأنها "تمثل الجهات المخولة بالإشراف والرقابة على المراكز"، مؤكدة وجود تقصير بالإشراف من قبلها وغياب التنسيق في العمل والمهام بينها.
وفي ذات السياق، أكد الناشط الحقوقي في قضايا الأشخاص ذوي الإعاقة عدنان الكفريني علمه بالانتهاكات التي تحصل داخل مراكز خاصة، وحمل مسؤولية ما يحدث إلى المجلس الأعلى لشؤون الأشخاص ذوي الإعاقة، "الذي لم ينصفهم ولم يعطهم حقوقهم" حسب قوله.
مهنة إنسانية ولكن
لا تخفي المشرفة نهى، التي تعمل منذ عشر سنوات في أحد المراكز الخاصة، المعاناة التي لحقت بها في بداية عملها جراء تعاملها مع أطفال معوقين، لا يدركون تصرفاتهم، وتقول: "مهنة الإشراف والتعامل مع هؤلاء الأطفال هي مهنة إنسانية، وتحتاج إلى إحساس عال بالمسؤولية، كما تحتاج إلى شخص قادر على التعامل مع هؤلاء الأطفال، فهي ليست كالمهن الأخرى".
استشاري الأمراض العصبية والنفسية الدكتور محمد الشوبكي يرى، من خلال تجربته، أن مراكز الأطفال الأشخاص ذوي الإعاقة "تفتقر إلى الرعاية والتأهيل". ويؤكد الشوبكي "أن بعض الأشخاص ذوي الإعاقة تزداد حالتهم سوءا بعد دخولهم لهذه المراكز، ذلك أنها أضحت ملاجئ تحوي الأشخاص ذوي الإعاقة، وليست مراكز لتأهيلهم". داعيا إلى "إغلاقها بواقعها السيئ، بدل أن تبقى على هذه الحال".
بين مقاربتي وزارة التنمية الاجتماعية والمجلس الأعلى لحقوق المعوقين من جهة، وبين خشية الأهل على حقوق اطفالهم المعوقين لدى الحديث الى الصحافة، والربح المادي المضمون لهذه المراكز الخاصة، تضيع حقوق أصحاب الإعاقات.

•انجز هذا التحقيق بدعم وإشراف شبكة اريج (إعلاميون من اجل صحافة استقصائية عربية)، وراديو البلد، وبإشراف الزميلين سعد حتر ومجدولين علان. وتبث هيئة الاذاعة والتلفزيون البريطانية "bbc " واذاعة "راديو البلد" عصر اليوم برنامجا مفصلا عن هذا التحقيق عبر وسائطهما المتعددة.